عودة الى الرئيسية



مأساة قريتي موسى والخضر : الآلاف في صحراء الظمأ والنسيان
مشاهدات[305]    [11-8-1431هـ][2010-07-23م]

بقلم / محمد الريفي

قد تتشابه الحروف وأشكالها وتختلف المعاني ودلالاتها ، وقد تطلق نفس الأسماء على كثير من الأشخاص والأماكن ، ولكن هيهات أن تكون لها نفس الدلالات ، ففي سالف الأيام عوقب قوم (موسي) عليه السلام بالتيه في الصحراء لمخالفتهم أوامر الله تعالى.

وفي حاضر أيامنا يعيش أهل (سيدنا موسي) القرية الصغيرة من قرى الفيوم في تيه صحراء مركز يوسف الصديق لا لأنهم خالفوا ، بل لأنهم يرجون حياة  كريمة بسيطة تحفظ آدميتهم .

رحلة في قلب الصحراء عبر طرق ضيقة ملتوية تقطع خلالها عشرات الكيلومترات لكي تصل لتلك القرية القابعة في قلب الصحراء كطفل يتيم انقطعت به السبل.

سيدنا موسي والخضر قريتان صغيرتان لا يفصل بينهما سوى طريق يخترق وسط هاتين القريتين ، أو بمعنى أصح القرية الواحدة ذات الاسمين ، والتي هي ابن شرعي لمركز " ولد لقيطاً " علي حد قول أحد مهندسي التخطيط العمراني والإقليمي بالمدينة ، وكأن هذا المركز اللقيط أبى إلا أن يتنكر لابن من أبنائه فيلقي به في غياهب الصحراء محروماً من كل ما يقيم الحياة ويحفظ استمراريتها.

خمسة عشر عاماً هي عمر ذلك المركز ، وهي أيضاً عمر هذه القرية.

في الطريق إلي تلك القرية المحرومة ، تستوقفك مشاهد خلابة ، ولكنها تضع الكثير من علامات الاستفهام . ففي الطريق تري بحيرات وشلالات وادي الريان ، تلك المنطقة السياحية الجميلة التي يأتي إليها السائحون سواء من أبناء المحافظة أو غيرها للنزهة والاستمتاع ، وعلي نفس الطريق تري منطقة " وادي حيتان " تلك المنطقة الأثرية التي تم تصنيفها منطقة تراث عالمي والتي ينفق عليها عشرات الملايين لتحويلها إلى محمية طبيعية قامت حرم السيد رئيس الجمهورية بافتتاحها منذ أشهر قليلة . إلا أن سيدة مصر الأولى وهي تفتتح تلك المحمية الطبيعية ، لم تكن تعلم أنه علي بعد كيلو مترات قليلة يوجد بشر منسيون ، وأن هذه الحيتان المتحجرة أفضل حظا منهم ، لأنها وجدت من يتذكرها وينفق عليها لحمايتها حتي بعد موتها وتحجرها.

 عندما تصل إلى مشارف هذه القرية يداخلك شعور لابد أن يشاركك الآخرون فيه ، ألا وهو أن المكان برمته ليس إلا مجموعة من المقابر.

نعم هذا المكان الذي يعيش به أكثر من خمسة آلاف نسمة ، ويحوي أكثر من ألفي منزل لا يوحي إليك من الوهلة الأولى إلا أنه مجموعة من المقابر ، فالشوارع خالية حتى فيما مفترض ساعات الذروة ، البيوت القصيرة ذات التصميم المتماثل ، والأشجار الجافة والمحترقة علي جوانب الطرق بسبب قلة المياة . هذا من ناحية الشكل والعمارة ، أما من ناحية واقع أهل القرية وكيف يحيون ، فإن كل كلمة من أهل القرية تقطر حزناً وأسى على واقعهم المرير الذي أسهم فيه قانون العلاقة بين المالك والمستأجر والذين حولهم إلى مخلوقات بدون مصدر رزق ، فالغالبية العظمى من سكان القرية ينتمون لمحافظات (بني  سويف .. أسيوط .. كفر الشيخ .. وغيرها من المحافظات ) ، وقد تركوا مسقط رأسهم من أجل فدانين ونصف الفدان اتضح أن غالبيتها لا تصلح للزراعة إما بسبب سوء التربة التي تحتاج إلي جهد ونفقات عالية لاستصلاحها ، وإما لقلة المياة التي تمثل معاناة لهؤلاء المزارعين .

قابلت أحد سكان القرية فقال لي: " إنها قرية ميتة ، فالكهرباء لا تأتينا إلا خمس ساعات في اليوم من المغرب إلى بعد منتصف الليل من خلال ديزل يعمل مرة ويتعطل مرات . أما مياه الشرب ، فمن خزانات بالشوارع تحمل الأمراض أكثر مما تحمل المياة " .

سألته عن التعليم في القرية فقال : " في قرية موسى توجد مدرسة ليس بها مدرسين والمدرس الذي يأتي للعمل بالمدرسة يذهب ولا يعود ، أما في قرية الخضر، فقد أغلقت المدرسة ".

 ذهبنا إلى المدرسة التي أغلقت ، فوجدناها عبارة عن مبني متهالك مهجور منذ سنوات يحمل لوحة مكتوب عليها بخط أشبه بخط طفل" مدرسة سيدنا موسي للتعليم الأساسي" .

قاطعنا ( رشاد ص )أحد أبناء القرية قائلا : " حتى الوحدة الصحية لا يوجد بها إلا شخص لا يعرف كيف يعطي حقنة ، وإذا أتت قافلة طبية خيرية إلى المكان فإن الأمر يكون أشبة بالصراع عليها "، وهو ما أكد عليه ( رمضان. ط ) مدير الجمعية الأهلية ، قائلاً : " إن أي شخص يأتي لتقديم مساعدات غذائية أو طبية فإنه يواجه مشكلة وهي أن ما يحمله من مساعدات يمكن أن يأخذ منه بالقوة نظراً لشدة الحرمان الذي يعانيه أهل القرية ، وأيضا لأن أغلب ما يحيا به أهل هذه القرية هو من المساعدات الخيرية .

في طريق عودتنا قابلنا أحد أبناء المنصورة والذي يقوم بتجارة الأراضي قال:" اشتريت أرضًا في القرية منذ خمس سنوات ، وأنا الآن أسعى للتخلص منها بأي شكل ، فهذه القرية لا أمل فيها علي المدى القريب ".

"موسي والخضر" قرية أهلها يملكون ، ولكنهم ولا يجدون ما يأكلون.. يعانون ظلمة الليل بلا كهرباء ، وعطش النهار بلا ماء ، ويمرضون فتكون كارثة.

إلا أن المفارقة المضحكة المبكية هي أن القرية التي تبدو كمقبرة كبيرة هي في الحقيقة تعاني من عدم وجود مقابر لدفن موتاها ، فمن يدركه الأجل عليه أن يذهب راحلاً  كما جاء راحلاً ليدفن في بلده التي منها أتي ، وكأنه عاش غريبا كادحاً ومات غريباً وحيداً .


تقييم 2.35/5 (47%) (20 اصوات)
Ajax Comment
تعليق
الأسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :
تعليقات القراء
كتبه ابوسندس من بتاريخ 2010-07-29
اولاتهانيناعلى الشكل الجديد والرائع للنافذةثانيانشكركم على التغلغل داخل مشاكلنا ولكن فى النهايةنتمى ان تجداذناتسمع ويداتصلح والله الموفق

كتبه حمدى عدلى غانم من بتاريخ 2010-07-30
من ينظر الى هؤلاء الناس ولكن لاتستعجب انت فى دولة مصر وأنا كنت فى يوم من الايام من سكانه وحسبى الله ونعم الوكيل

كتبه محسن من بتاريخ 2010-08-05
بارك الله فيك يا استاذ محمد على هذا المقال الأكثر من رائع وزادك الله حرصاً على اهلنا فى قرى الفيوم