|
|
![]() |
![]() |
![]() |
|||||||||||||||||||||
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
عودة الى الرئيسية
ذكريات الطفولة بقلم الأستاذة: ردينه يونس – جامعة القدس المفتوحة -
مشاهدات[134]
[14-6-1431هـ][2010-05-28م]
![]() قد يظن واحد من الآباء في بلادنا ان واجباته نحو أطفاله تنحصر في تقديم الغذاء والطعام والمسكن، وقد يتصور ان كل ما ينبغي تقديمه هو ان يعتني بأجسام أطفاله فقط، كأن صغاره نوع من الحيوانات الداجنه التي تربى في المنازل. لذلك وحين يأتي أولادنا إلى العالم لا نجد في أسرتنا الشرقية أي تغيير ملحوظ، اللهم إلا الاهتمام بزيادة الطعام مع شيء من السرور والفرح أو الألم والتحسر لمجيء هؤلاء الأطفال. والحق انه لا يكفي ان نعمل من اجل إطعام صغارنا، ولا يكفي ان نهتم بحفظ المال اللازم لهم... فأطفالنا ليسوا أرانب أو قططاً جميله يحسن اقتناؤها والفرح بها وانتظار نموها ومشاهدة ألعابها. إنما الأطفال كائنات إنسانيه قبل كل شيء ...كائنات ذات عواطف وانفعالات وحاجات...تحيا وتسر وتتألم... مجموعه من القوى والطاقات يجب ان يحفظ لهيبها وضياؤها... . أرأيت أبا قاسيا لا يدخل الدار إلا وتعلن فيه حالة الطوارئ ؟... أرأيته يدخل البيت ليجعله ساكناً واجماً كالمستشفيات أو السجون ؟!.. أرأيت الخوف كيف يتسرب إلى النفوس الصغيرة والقلوب الغضة منذ أوائل الطفولة؟... هنا أب يجتمع بزوجه وأطفاله على الطعام (والطعام هو أهم ما يجمع العائلة عندنا في الغالب) وعلى مائدة الطعام، وبدلا من الأزاهير التي توضع عادة لتثير الحساسية وتجلب الشهية، يفجر كل واحد في الأسرة قنبلته، فالأم لا تفتر تذكر متاعب أولادها طيلة النهار، ولا تني تذكر تصرفات أولاد الحي وإزعاجاتهم ومنغصات الجيران..والأب يبدو أكثر رغبه في الحصول على ما يقلق، فيتحدث عما ربح أو خسر وكيف انذره رئيسه في العمل وماذا جرى بالغلاء وارتفاع الأثمان.. الخ كأن هذه القضايا لا تحل إلا على الطعام وكأنه لا يحملها إلا هذه المرأة المتعبة مع هؤلاء الأطفال الذين يفتحون عيونهم خلال غلاله سوداء من الشقاء والمتاعب ليروا الحياة قاتمة من ورائها. لكم تفرح طفله صغيره حين تصنع دمية.. ولكم يسر طفل صغير حين يحضر لأبيه قصة حلوة، انك لترى الأم في بلادنا لا تبالي ولا يهمها البتة ان تلتفت إلى ما صنعته ابنتها وكأن أوقاتها الثمينة أجل من ان تضيع في تقديم استحسان لما صنعت ابنتها، وكأن أوقات الأب لا تسمح له بالتعقيب على قصه جميله رواها ولده أو بالتشجيع على عمل نافع صنعه بيديه.. ولهذا فانك ترى الأم تضرب بدمية ابنتها عرض الحائط وترى الأب العاقل الرزين يهزأ بقصة ابنه السخيفة وما دري كل منهما انه يصب ماءاً بارداَ على جمرات لاهبه كانت تريد ان تتألق وتشتعل... فما أقساها؟.. هناك طفل قد دنا من السنة الخامسة، انه ملحاح كثير السؤال: ماذا يوجد على ظهر الخزانة؟... لماذا يسير القمر معي؟... من يتكلم في المذياع؟..لماذا ينزل المطر؟... كل هذه الاسئله وكثير أمثالها ان دلت على شيء، فإنما تدل على ذكاء يتوقد وإدراك يتفتح.. اما الأم العاقلة في بلادنا.. فإنها مستعدة دوما ان تسكت أطفالها بحجة انهم ثرثارون وان تقرعهم وتؤنبهم أمام زملائهم والأضياف. أيها الأب: هذه التحف الفاخرة، وتلك الأواني الغالية وهذه المقتنيات الجميلة في البيت واللوحات الفنية.. قد تظن أنها كل ما ينتقل إلى أولادك منك...ولكنك مخطئ إذا ظننت ذلك... فهناك ما هو أهم من التحف والأواني والفرش... هناك ذكرياتهم عنك، بسماتك لهم، مرحك معهم وقصصك الجميلة، مداعباتك اللطيفة، وإذا شئت مزيدا من اليقين فلتسمع معي إلى ما يقرره علماء النفس: انهم يرون ان ذكريات الطفولة هي العامل الأكبر في تكوين شخصيه الإنسان وان السنوات الخمس الأولى هي التي يعول عليها في ان يكون رجل من الناس شجاعا صادقا مقداما أو رعديدا ضئيل الشأن محدود القوى، وذلك تبعا لتجارب هذه السنوات وذكرياتها التي تظل تعمل في الخفاء وتبقى ماثله في (اللاوعي) ولقد ثبت لدى العلماء النفسيين ان لا شيء يضيع في النفس، وان الذاكرة تحتفظ بجميع الآثار التي علقت بها من تجارب الماضي وانفعالات الطفولة. تروي إحدى المربيات الحادثة الاتيه فتقول:(كان علي حين تخرجت من الجامعة وبلغت الثالثة والعشرين من عمري ان أسافر وحدي على ظهر إحدى البواخر لاستلام عمل لي في بلد غريب، وكنت –فيما أتوقع- متجهة بكليتي نحو المستقبل بما يحفل من آمال وأعمال، وقد خرجت ساعة الأصيل إلى ظهر الباخرة أمتع نفسي بمظهر الشمس تودع النهار، وكانت لحظات ممتعه بالفعل، لقد احتواني شعور غريب، وأخذت تفد إلى نفسي صور عديدة متوالية تمت إلى ماض بعيد، وما هي إلا لحظات حتى رأيت نفسي طفله غرة في حوالي الرابعة أو الخامسة من عمري ومن حوالي إخوتي يلعبون، كنت اقلب صفحات كتاب مصور في سهرات الشتاء قرب المدفأة وأبي يدخن غليونه الضخم ويطالع صحيفة المساء وجدتي تقص علينا أعذب الحكايات، أيها القارئ... إذا أردت ان تعرف لماذا عاودتني تلك الصور القديمة وأخذت تطوف وتظهر من جديد بدنياي الواحدة بعد الأخرى فإني سأذكر لك ذلك، لقد سمعت الآن مقطوعة موسيقيه على البيانو كانت هي المفضلة لدى أمي، وكنا نسمع عزفها كل مساء، كانت تبدأ بها السهرة والسمر، رحم الله أمي لقد رحلت منذ وقت طويل ولم اعد اسمع تلك المعزوفة منذ ان فارقت أمي الحياة والآن لقد سمعتها من أذاعه الباخرة بعد ان مر عليها ما يقرب من العشرين عاما، فعادت معها مواكب الصور التي كانت ترافقها، عادت كلها صورة بعد صورة، من كان يظن ان تلك الصور التي اختزنتها ذاكرتي وبهت لونها وتبددت، سوف تتألق ونحيا وتقفز أمام عيني من جديد؟؟. لقد ثبت ان لا شيء يفنى من الحياة النفسية للإنسان. وان ذاكرته تظل تحتفظ بأعذب الصور وأقساها وتبقى تؤثر في المرء وفي تكوين حاضره ومستقبله) . انتهى كلام المربية . ذكريات الطفولة هي الانطباعات والصور القوية العميقة التي تظل تعمل في الخفاء فكل ما يراه الطفل خلال أوائل عمره وكل ما يشهده من ضروب المعاملة وألوان التدليل أو التعذيب أو الإهانه، وجميع ما يتجلى أمامه من التفاهم بين أبويه أو التنافر والشجار، كل هذا يظل راسخا في أعماقه، كامنا ومتخفيا في لا شعوره. أيها الأب هل تتذمر دوما وتشكو وتعبر عن الألم والحسرة؟ إذن سيكون ولدك نسخة عنك وستراه في مقتبل الأيام مستعدا لان يتذمر ويشكو ويعبر عن الألم والحسرة؟. وهل أنت هادئ وادع مشرق النفس؟... إذن سيكون ولدك ميالا إلى الهدوء والدعة والإشراق. أعود فأقول: هناك ما هو أهم من المقتنيات الغالية والأثاث الفاخر، هناك صور الطفولة وألعابها، أفراحك مع أولادك وزوجك، ألفاظك مع صغارك وجيرانك، الشجار والنقار، العقاب والملاطفة.. كل هذا يظل عالقا في نفسيه الأطفال وسيشبُ أولادك ويكبرون وسيذكرونك فيقول احدهم في بعض المناسبات: (سامح الله أبي لم يكن يساعدنا على النمو، لقد كان يمنعنا من الفرح وكان همه ان يسكتنا إذا صخبنا أو ضحكنا، وكان يحرص على التبرم والتجهم بنا وبالزمان، وكان يحرص على ان يؤكد دوما ان الحياة عبء ثقيل وحمل لا يطاق، وان العيش ضريبة يدفعها الأحياء والبشر وهم صاغرون ). وقد يشب أبناؤك ذات يوم فيقول احدهم بعد عشرين أو ثلاثين عاما ( رحم الله أبي كم كان لطيفا معنا، وكان يحيطنا برعايته ويشجعنا ويحرّض قوانا بكلماته العذبة وتشجيعه، كان يسابقنا في النزهات ويقفز معنا فوق السواقي والمروج، ويداعبنا كلما سنحت له الفرصة ويقص علينا قصص الأبطال ويحدثنا بأحاديث الشجاعة والتفتح لقد كنا نلاعبه كواحد منا، وكان يضحك إذا علونا كتفيه أو عضضنا أذنيه، لقد كان يطلب منا ان نضبط أوقات النوم والطعام دون ان يصدر تعليمات صارمة أو أوامر حاسمه، وكان يسر لسماع أخبارنا ونوادرنا، وإذا صدر عن احدنا عمل طيب أو كلمه حلوة، اخذ يعقب على كل ذلك بما يستحقه الموقف من تعقيب حسن وتشجيع كريم). أيها الأب...لا يكفي أبدا ان تعمل وتكد من اجل أطفالك، فالعصافير تطعم صغارها خيرا منك ، وكذلك تفعل القطط، ولا يكفي ان تحفظ لهم المال والمتاع. ان الذي يهم قبل كل شيء ان تصون عواطف أطفالك وتنمي نشاطهم وميولهم إلى التساؤل والمعرفة وحب الخير. أيها الأب وأيتها الأم ان الحياة مليئة بالمتاعب وعليكما ان تقدما للأطفال رأس المال من الشجاعة يكفيهم لمجابهة الحياة. وسينمو ولدكما ويشب ويكون نسخه طبق الأصل لما تتصوران فيه، فإن كنتما تحترمان إنسانيته فسيكبر وهو يحترم نفسه وغيره ويحتفظ بطابع الاحترام في المعاملة. وان كنتما تريان فيه كتلة من السخافات والتفاهات فلن يكون إلا قبضة من التفاهات. كم من الأطفال قد أصبحوا أشقياء منحطين أو مجرمين لان والديهم قد شاؤوا ان ينظروا إليهم بمنظار الشقاوة والإجرام، وكن من الأطفال صاروا نبلاء شريفين يعينون الضعيف ويمتلكون الشجاعة في مجابهة الشر، لأنهم رضعوا مع الحليب النبالة والشرف وسمعوا _ منذ نشأتهم _ عبارات الإخلاص والشجاعة. أيها الأبوان، يحسن بكما ان تفيدا من توصيات بعض علماء النفس نلخصها لكما فيما يلي: 1- أطفالكما هم امتداد حياتكما، ان محافظتكما عليهم هو حفاظ لنفسيكما. 2- كونا معتدلين في محبتهم ولا بأس بإشعارهم بالعطف والتقدير. 3- لا تأخذ أطفالكما إلى النزهة معكما، بل اذهبا أنتما معهم إلى النزهات . 4- اعتمد على الأطفال، واظهرا لهم انهم يكبرون وإنكما تعتمدان عليهم في قضاء كثير من المهام والأعمال. 5- أيها الأب لا تقف في وجه ابنك، بل اجعله يقتنع ان من الخير له ان يتروى ويعيد النظر في آرائه . 6- كم تلزمك أيها الأب ان تستزيد من عناصر التشجيع والابتسام، اضبط نفسك وتعود السماحة والصفح. 7- أيها الأب كن صديقا لابنك، فأنت لا تقدم لصديقك إلا الكلام العذب المحبب، أفلا يستحق ابنك ان يسمع كلمات التقدير والحب. 8- أنت تحب المديح ولا شك إذا قمت بعمل نافع، وتمقت أولئك الذين لا يعترفون لك بالفضل والمعروف، أفلا تنطفئ شمعة الطفل إذا أنت لم تحطها برعايتك. 9- طفولة العمر هي أجمل سني الحياة... أرأيت كيف يبدأ النهار فجره يبزغ في أروع صور الكون .. أم رأيت السنة كيف يبدأ ربيعها في ارق النسائم وأعذبها، أم رأيت الأزاهير كيف تبدأ براعمها تتضاحك مع الندى والصباح؟، انك إذا رأيت ذلك وهاجت نفسك طربا فلتنظر إلى أطفالك. فهم الفجر الذي يريد ان يتألق.... وهم البراعم التي تريد ان تتفتح.... وهم النسمات التي تحمل معها الفجر والربيع والدفء والحب. لا تنس هذا أيها الأب. ولتذكر جيدا ان التربية ليست سرقه لطفولة الأطفال وليست مطاردة للأفراح ولا تضخيما مجنونا للصغار، فهل لك ان تحنو على أطفالك من جديد وهل ستحرص على ان تمتلك نظرات التشجيع؟. لا تنس هذا واذكر... ان آلام الحياة ستحني ظهور صغارك فلا تكن أنت أول من يقوس تلك الأجسام ويحني تلك الظهور... .
انتهى تقييم 3.58/5 (71.58%) (19 اصوات)
|