نافذة الفيوم.. أمانة "عبدالله" المتوكل على الله بقلم سحر حمزة
أمانة "عبدالله" المتوكل على الله بقلم سحر حمزة

في زمننا هذا ،حيث التطور والحداثة التغيير الطاغي عليه ،في ومن الحضارة والتقدم ،في ظل غياب الأساطير ،وعلي بابا ،وسندباد والكنوز المفقودة ،زمن يعاني فيه غالبية الناس من شح الموارد ،والفقر المقنع بالمعاصرة والصمت القسري ،توجه عبدالله كعادته ليسحب راتبه الشهري من آلة الزمن "الصراف الآلي "للبنك الذي فيه حسابه ،وراتب عبدالله لا يتجاوز خمسةآلاف درهم ، لا يزيد ولا ينقص إلا في حالات إستثنائية تتم غيها خصومات بسبب التأخير عن الدوام الصباحي الساعة السابعة والنصف صباح كل يوم أما الزيادة فهو حلم لا يتحقق في زمن يعصرون فيه الموظف كي يعطي بجهد لا يثمن مقابله بمال وفير ،كان صديقنا عبدالله يحرص على عدم التأخير ،كي لا يخصم من راتبه ،فلديه شابين يدرسان بالجامعة ،وأسسرة مكونة من 6أولاد يحتاجون للطعام والشراب والمأوى المناسب ،وأجرة البيت مرتفعة ،والغلاء بالأسعار يقتص منه شهريا ،فهو بالكاد يكمل آخر الشهر بالستر والصمت ،في ذلك الصباح ذكره ولده أحمد بقسط الجامعة ،وطلب منه محمد مصاريف الكتب وبعض الرسوم ،وزوجته ذكرته بموعد التسوق الشهري وإحتياجات البيت والأولاد ،في ظل هذا كله ،وبعد أدائه فريضة الفجر ،ودعا الله بأن يوفقه ويستره ،توجه عبدالله إلى آلة الزمن التي تتحكم بمصيره وأسرته ،وضع رقم حسابه ليستفسر عن الرصيد ،فكان الجواب مذهلاً ،الإجابة التي ظهرت على شاشة الآلة ،خمسة مليون درهم ،بدل خمسة آلاف ،عاد مرة أخرى ووضع رقم حسابه ،وآراد أن يسحب راتبه لكن الرصيد خمسة ملايين ،أصابته الدهشة ،وأحمر وجهه ،وأرتبك ،ماذا يفعل ؟كيف هبطت هذه الدارهم في رصيده ،فكر مليا ،هو لا ينتظر إلا فرج الله ورزقه ،فليس له مكافئات ،ولم يفوز بجوائز اليانصيب أو المهرجانات ،ولا ينتظر مكافآة من البنك الذي يمتص الفوائد مع كل حركة لبطاقة الرصيد ،ولا يمكن أن تهبط هذا المبلغ من السماء ،لان السماء تمطر ماءً ولا تمطر دراهم ،وإن أمطرت ماء فهي عادلة ،ينزل على الجميع بالتساوي فلا يمطر عند عبدالله وينقطع عن جاره سالم .

وقف مذهولاً ،ما زال يعيش إرتداد الصدمة خمسة مليون يا الله إنها ثروة ،لكنها ليست من حقه ،لم يتعب بجمعها ،لا بد أن هناك خطأ ما ،فكر عبدالله قليلاً ،وصار يحدث نفسه إلى أين أذهب ،ومن أخبره عن الأمر ،وجد نفسه تلقائيا يمشي نحو إدارته ،وذهب إلى المدير المالي بالإدارة ،وأخبره القصة ومفارقتها ،وأشار عليه المدير المالي بأن هذا المال ليس له ،وعليه إخطار البنك بذلك كي يقوم بسحب المبلغ ،وأستشار أصدقائه والجميع أشاروا عليه أن يخبر الصحافة لتكتب عن الأمر وعن هذا الخطأ الذي لو حدث مع غيره لأصبح مليونيرا ولا يحق للبنك سحب المبلغ لإنه بإسمه وبرصيده ،لكن نفسه أبت أن تأخذ مالاً ليس من حقه ،وقرر أن يذهب للبنك ويخبره بما لديه في الرصيد ،وتوجه إلى المكتب الإعلامي وأخبرهم بقصته ،وما كان منهم إلا أن حرر خبرا بما جرى مع عبدالله وقصتة مع البنك ،وقام بتوزيعها على الصحف ووسائل الإعلام الأخرى ،فهرعت إليه كاميرات الفضائيات وممثلوا وسائل الإعلام ليحصلوا على تفاصيل قصته المثيرة لينشروها ،وكان وهو يروي القصة يبتسم ويضحك مما أشار عليه البعض منهم بسحب مبالغ تكفيه وأسرته والعودة إلى بلده الاصلي ،لكنه كان يجيب بعنفوان الواثق بالله وبنفسه ،أنه مستحيل أن يأخذ مال حرام ، ويجيب بصوت عال ،لا غير ممكن! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ،ووصف لهم حالة الدهشة والإنبهار الذي تملكه حين قرأ الرصيد قائلاً "الله أكبر "خمسة مليون درهم ،ا"لله أكبر" ،وحدثهم عن قصة حياته وحاجته القصوى للمال وفقره المقنع بالستر والصمت ، ودراسة أولاده بالجامعات على حسابه ،وأكد لهم حرصه على أن لا يأخذ تعب غيره ومال ليس من حقه ،وكانت أمانته غير المعهودة ،قصة الصفحات الأولى للصحف في اليوم التالي ،وعبر القنوات الفضائية والإذاعات وغيرها من وسائل الإعلام ،وكم اشاد به بعض الناس لعدم سحبه المبلغ أو تحويله لرصيد آخر ،وعدم تصرفه بغير ذلك من الإجراءات التي كان يمكن أن يقوم بها للإستفادة من هذا المبلغ الذي أختار رقم حسابه ليستقر به ،وكان الجميع يسأله :لماذا لم تسحب مبلغ كبير من الرصيد ،فكان جوابه بثقة ومسؤولية :هذا ليس مالي وأخاف الله كيف أتصرف بمال ليس من حقي ،كيف أخذ تعب غير حتى ولو كان بنك ربوي ،كل يحاسب على فعله وأنا لا أطعم أولادي بمال ليس من عرقي ،هذا الموقف البطولي من عبدالله جعله يكبر في عيون الآخرين ،زملائه بالعمل ،رؤسائه ،فهو موظف بسيط يعمل مفتشا بالصحة العامة ،ولم يأخذ أية رشوة في حياته،وحريص على أن يحصل على حاجاته الخاصة وأسرته بعرقه وتعبه دون جهد بلاء أو إعتداء على أحد ،أمام هذا الموقف النادر في زمن شح الموارد والفقر وضعف الإمكانيات ،رأى رئيسه أن يكافئه مقابل أمانته غير المعهودة ،ومنحه راتب شهرين مكافئة لإمانته ،ووجد عبدالله أن هذه المكافئة تكفيه عن كنوز الدنيا وما فيها وأخذ المكافئة راضيا مرضيا بما قسم الله له وقدر من رزق في هذه الحياة.

إنتهى

 

 


يتم التحقق من المدخلات.فضلا انتظر قليلا
√ أضف مشاركة
الحقول التي تحمل علامة النجمة * إجبارية.
الأسـم * :
البريد الالكتروني* :
موقعك الالكتروني:
البلد:
عنوان المشاركة *:
الرسالة *:
تعليقات القراء

تعليقات (0)

تشاهدون الأن

كلمة د محمد مرسي بمؤتمره الجماهيري بإستاد الفيوم